الصورية في الصكوك

كل المقالات
بقلم عبدالرحمن البراك · نُشر في ١٥‏/٩‏/٢٠٢٦ · مدة القراءة: 4 دقيقة

مقدمة: إشكالية تسجيل أصول الشركات بأسماء أعضاء مجلس الإدارة

تعد ممارسة تسجيل الأصول العقارية للشركات بأسماء أعضاء مجالس إداراتها أو كبار المساهمين فيها ظاهرة قانونية مشوبة بالمخاطر، وغالباً ما تُعزى لدوافع تمويلية أو إجرائية تاريخية. إلا أن هذه الممارسة تفتح الباب على مصراعيه لنزاعات قضائية معقدة عند انتقال السلطة أو وفاة الملاك، حيث تصطدم "الحقيقة القانونية" المتمثلة في الصك الشرعي، بـ "الحقيقة الواقعية" التي تدعيها الشركات بناءً على الصورية. تبرز هنا إشكالية التوفيق بين استقرار التعاملات المعتمد على السجلات الرسمية، وبين محاولات استرداد الأصول بناءً على ادعاءات الملكية المستترة.

المحور الأول: القوة الإثباتية للصكوك العقارية وفق المادة (80) من نظام القضاء

يقوم النظام القضائي في المملكة العربية السعودية على مبدأ صيانة الملكية العقارية وحماية حجيتها. وبموجب المادة (80) من نظام القضاء، تتمتع الصكوك الصادرة من كتابات العدل بقوة إثباتية مطلقة، إذ يجب العمل بمضمونها أمام كافة المحاكم بلا بينة إضافية. هذه الحجية لا يمكن النيل منها إلا بالطعن بالتزوير أو إثبات مخالفتها للمقتضى الشرعي والنظامي عند صدورها. لذا، فإن تمسك المالك الظاهر (المدعى عليه) بصك ملكيته المستقر لعقود يضع عبء إثبات عكس ذلك على عاتق المدعي بـ "بينة موصلة" تتجاوز مجرد الافتراضات أو القرائن الضعيفة، إعمالاً للأصل في بقاء ما كان على ما كان.

المحور الثاني: فض التعارض بين المصالح: الأفضلية لمن تمسك بالعقد الظاهر

عندما تنتقل النزاعات إلى مربع "الصورية"، يحسم نظام المعاملات المدنية في المادة (189) هذا التدافع التشريعي بنص صريح مفاده أنه إذا تعارضت مصالح ذوي الشأن، فتمسك بعضهم بالعقد الظاهر وتمسك الآخرون بالعقد المستتر، كانت الأفضلية لمن تمسك بالعقد الظاهر.

تطبيقياً، إذا ادعت شركة أن إفراغ العقار لأحد أعضاء مجلس إدارتها كان "صورياً" لحاجة في نفس الإدارة، فإن المشرع حمى الطرف الذي يتمسك بالوضع الظاهر (سجل الملكية). وهذا الحكم يعد من قواعد النظام العام التي تهدف إلى استقرار الملكيات، فإذا كان هذا هو الحكم في وجود "عقد مستتر" مكتوب، فمن باب أولى أن تُرد دعاوى الصورية المرسلة التي تفتقر أصلاً لمستند كتابي يثبت الاتفاق على الصورية.

المحور الثالث: القرائن المادية مقابل الحجية النظامية: هل تُثبت التوسعات ملكية الرقبة؟

كثيراً ما تدفع الشركات المدعية بأنها هي من قامت بسداد تكاليف الإصلاحات، أو بناء التوسعات، أو سداد فواتير الخدمات، متخذة من ذلك قرينة على ملكيتها للعقار. ومع ذلك، فإن القضاء المستقر يفرق بوضوح بين "ملكية الرقبة" وبين "تكاليف الانتفاع". إن قيام الشركة بإصلاحات أو توسعات في عقار مسجل باسم فرد لا يعدو أن يكون سلوكاً معتاداً للمستأجر أو المنتفع، ولا ينهض بمجرده دليلاً على تملك العين. فالإضافات المادية لا تطغى على الحجية القانونية للصك، وقرار التصحيح الذي قد تتذرع به الشركات—ما لم يكن موقعاً وموافقاً عليه من المالك—يظل ورقة داخلية لا تقيد الغير ولا تنزع ملكية ثابتة بيقين.

المحور الرابع: دلالة المطالبة بالأجرة: كيف يهدم الإقرار بالعلاقة الإيجارية دعوى التملك الصوري؟

من أقوى الدفوع التي تهدم ادعاء الصورية هو إثبات وجود علاقة إيجارية أو اعتراف ضمني بها. فإذا وجد في سجلات الشركة أو مراسلاتها ما يفيد بطلب المالك (المسجل في الصك) للأجرة، أو وجود توجيه من الإدارة بإبرام عقد معه، فإن ذلك يعد إقراراً قضائياً أو شبه قضائي بملكية الفرد. إن إقرار الشركة ضمنياً بحق المالك في المطالبة بالأجرة، أو صمتها عن المطالبة بالملكية طوال عقود من الزمان رغم علمها بانتقال الملكية ورهن العقار لجهات تمويلية من قبل المالك بصفته الفردية، يسقط حقها في ادعاء الصورية لاحقاً (بناءً على مبدأ السعي في نقض ما تم من جهته).

الخاتمة: استراتيجيات الدفاع في مواجهة دعاوى الاسترداد

في مواجهة دعاوى استرداد الأصول المبنية على الصورية، يجب على الممارس القانوني التركيز على تحصين الصك العقاري عبر الدفع بالمادة (80) من نظام القضاء، وتفعيل نص المادة (189) من نظام المعاملات المدنية كحائط صد موضوعي. إن إثبات تصرف المالك في العقار تصرف الملاك (بالرهن، أو المطالبة بالأجرة، أو الهبة للأبناء) يعد بينة قاطعة تنفي أي ادعاء بالصورية المرسلة.

خلاصة تطبيقية للممارسين:

  • الصك العقاري حجة قاطعة لا تُهدم إلا بالتزوير أو مخالفة الأصول النظامية.
  • نظام المعاملات المدنية حسم الأفضلية للعقد الظاهر عند تعارض المصالح.
  • الاستثمارات المادية (ترميم، توسعة) لا تنشئ ملكية في الرقبة بل قد تنشئ حقاً في الرجوع بقيمة التحسينات فقط.
  • التقادم السكتي وطول مدة وضع اليد للمالك دون معارضة يقوي جانب الملكية المستقرة.

إخلاء مسؤولية: هذا المقال غرضه إرشادي قانوني عام ولا يعد استشارة قانونية رسمية، ولا يعكس بالضرورة وقائع قضية بعينها، ويجب الرجوع للأنظمة وتعديلاتها عند التطبيق.


إخلاء مسؤولية: هذا المقال مادة قانونية عامة لأغراض المعرفة فقط، ولا يُعدّ رأياً قانونياً أو استشارة على حالة بعينها. للحصول على رأي ملزم بحالتك، يُرجى التواصل مع مكتب أقضية للمحاماة والاستشارات القانونية.

تواصل معنا عبر واتساب